أحمد بن علي الرازي

177

شرح بدء الأمالي

لاقتضائه الحدوث فكلامه كلام واحد غير متجزئ ، وهو ليس من جنس الحروف والأصوات ، والكتاب منزل بحق لا بهزل ، وما فيهن من الحروف ، والكلمات ، والآيات دلالات على كلامه ، وهن آلات القراءة لحاجة العباد . وكلامه قائم بذاته أما معناه مفهوم بهذه الأشياء ، وكلامه ليس بمخلوق ولا حادث ولا محدث ، ولا حرف ولا لفظ ولا لغة ولا نغمة ولا صوت ولا آية ولا سورة ، فاللفظ والصوت والحرف والكلمة والآية وسورة راجعة إلى قراءة القارئ « 1 » ، وكذلك كلامه

--> ( 1 ) قال ابن قدامة المقدسي : ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم يسمعه منه من شاء من خلقه ، سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة ، ومن أذن له من ملائكته ورسله ، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه ويأذن لهم فيزورونه ، قال الله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً ، وقال سبحانه : يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي . قلت : لو لم يكن كلامه سبحانه لموسى عليه السلام بصوت وحرف لم يكن للاصطفاء معنى ، وقال سبحانه مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ، وقال سبحانه : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ . وقال تعالى : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ، وقال : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ، وغير جائز أن يقول هذا إلا الله . وقال عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه : إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء . وروى ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وروى عبد الله بن أنيس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يحشر الله الخلائق يوم القيامة حفاة عراة بهما ، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك ، أنا الديان » . رواه الأئمة واستشهد به البخاري . وفي بعض الآثار أن موسى عليه السلام ليلة رأى النار فهالته وفزع منها ناداه ربه : يا موسى ، فأجاب سريعا استئناسا بالصوت : لبيك لبيك ، أسمع صوتك ولا أرى مكانك ، فأين أنت ؟ فقال : « أنا فوقك ، ووراءك ، وعن يمينك ، وعن شمالك » ، فعلم أن هذه الصفة لا تنبغى إلا لله تعالى ، قال : فكذلك أنت يا إلهي ، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك ، قال : بل كلامي يا موسى . ومن كلام الله تعالى القرآن العظيم ، وهو كتاب الله المبين ، وحبله المتين ، وتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين ، بلسان عربى مبين ، منزل غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ، وهو سور محكمات وآيات بينات وحروف وكلمات ، ومن قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض متلو بالألسنة محفوظ في الصدور ، مسموع بالآذان ، مكتوب في المصاحف فيه محكم متشابه ، ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ، وأمر ونهى ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . وهذا هو الكتاب العربي الّذي قال فيه الذين كفروا : لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ ، وقال بعضهم : -